السيد كمال الحيدري
434
أصول التفسير والتأويل
كلام الغزالي أمّا الغزالي فبعد أن ذكر « أنّ كشف الحقائق ومعرفة الأشياء على ما هي عليه وإدراك الأسرار التي يترجمها ظاهر ألفاظ هذه العقيدة ، لا مفتاح لها إلّا المجاهدة وقمع الشهوات والإقبال بالكلّية على الله تعالى وملازمة الفكر الصافي عن شوائب المجادلات ، وهى رحمة من الله عزّ وجلّ تفيض على من يتعرّض لنفحاتها بقدر الرزق وبحسب التعرّض وبحسب قبول المحلّ وطهارة القلب ، وذلك البحر الذي لا يُدرك غوره ولا يبلغ ساحله » . قال : « فإن قلت : هذا الكلام يشير إلى أنّ هذه العلوم لها ظواهر وأسرار ، وبعضها جلىّ يبدو أوّلًا ، وبعضها خفىّ يتّضح بالمجاهدة والطلب الحثيث والفكر الصافي والسرّ الخالي عن كلّ شئ من أشغال الدُّنيا سوى المطلوب ، وهذا يكاد يكون مخالفاً للشرع ، إذ ليس للشرع ظاهر وباطن وسرّ وعلن ، بل الظاهر والباطن والسرّ والعلن واحدٌ فيه ؟ فاعلم أنّ انقسام هذه العلوم إلى خفيّة وجليّة لا ينكره ذو بصيرة ، وإنّما ينكره القاصرون الذين تلقّفوا في أوائل الصبا شيئاً وجمدوا عليه ، فلم يكن لهم ترقٍّ إلى شأو العلاء ومقامات العلماء والأولياء ، وذلك ظاهر من أدلّةالشرع . قال صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : إنّ للقرآن ظاهراً وباطناً وحدّاً ومطلعاً . وقال على رضياللهعنه - وأشار إلى صدره - : إنّ ههنا علوماً جمّةً لو وجدت لها حَمَلة . وقال صلّى الله عليه وسلّم : ما حدّث أحد قوماً بحديث لم تبلغه عقولهم إلّا كانت فتنة عليهم . وقال الله تعالى : وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ ( العنكبوت : 43 ) . وقال صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم : إنّ من العلوم كهيئة العلم المكنون لا يعلمه إلّا العالمون » « 1 » .
--> ( 1 ) إحياء علوم الدِّين . تصنيف الإمام أبى حامد محمّد بن محمّد الغزالي ، المتوفّى سنة / / 505 ه ، دار المعرفة ، بيروت ، 1402 ه : ج 1 ص 99 .